السيد محمد تقي المدرسي

99

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

أعماله . مثلًا ؛ في قصة يوسف الصديق عليه السلام ثوابت ، مثل الصبر والتقوى وتجنب الخيانة . وعلينا اتباعها ، حيث إن الله سبحانه إستخلص من قصة النبي يوسف هذه العبرة ، فقال : ( قَالُوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ( يوسف / 90 ) أمّا متغيرات القصة مثل رؤيا يوسف في المنام ، وإلقاؤه في البئر ، وشراءه بثمن بخس ، وتمكنه في بيت العزيز ، فإن هذه التفاصيل ممتعة . وفيها أيضاً عبر خفية لو تدبرنا فيها إستفدناها ؛ مثل نصيحة أوسط الاخوة بألّا يقتلوه . فعبرته إمكان النهي عن المنكر ، ولو بدرجة خفيفة . وإن النبي يعقوب عليه السلام قال لأبنائه : أخاف أن يأكله الذئب ، مما جعلهم يجدون ما يعتذرون به عن سوء فعلهم . ولولا ذلك ، ربما لم يكونوا يتوسلون بهذه الكذبة . هذه الأمور ليست بالضرورة حجة ، ولكنها مفيدة . وفي قصة الرسول صلى الله عليه وآله ، نقرء قول الله سبحانه : ( وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( آل عمران / 121 ) فإن القيادة الميدانية للرسول حجة على كل من يريد اتباعه ، أمّا أنه كان يبكر إلى المعركة ويحدد المواقع ، فإنه ينفع أيضاً ، ولكن قد لا يكون في مستوى الحجة الدالة على اللزوم . فقد ينبغي للقائد الميداني أن يتفقد مواقع القتال ليلًا ، وليس أول الصباح . ولعل هذه المفارقة بين الثوابت والمتغيرات ، هي الحكمة وراء إجمال الفعل ، وعدم الأمر بتمثله بوجه مطلق . إذ لو كان الأمر كذلك ، إذاً لتسبب في جمود السلوك ، وعدم تطابقه مع الظروف المتغيرة . وهو ينافي بقاء الدين وقدرته على التكيف مع كل زمان ومكان ، ومع سائر الطبقات الاجتماعية . ونحن قد تحدثنا ملياً في الجزء الثاني من هذه الموسوعة حول الحدود الفاصلة بين ثوابت الشريعة ومتغيراتها . ثالثاً : كلمة الأسوة التي هي محور البحوث هنا ، مشتقة حسب اللغة من مادة ( أسو ) ، حيث يقول ابن الفارس عنها : أسوت الجرح : أسواً : إذا داويته فهو أسي . وأضاف : وأسوت أسواً بين القوم : إذا أصلحت بينهم . ولي في بني فلان أُسوة ؛ أي : قدوة . وقال : وآسيت المصاب على مصابه : إذا عزيته وآسيته بنفسي . « 1 »

--> ( 1 ) مجمل اللغة ، لابن الفارس ، منشورات معهد المخطوطات العربية ( الكويت ) ، ج 1 ، ص 189 - 190 .